شـبـكـة الحرية

شـبـكـة الحرية

شبكة عشاق الحرية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ياسر عرفات .. تاريخ وقضية ...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 109
تاريخ التسجيل : 13/09/2009
العمر : 26

مُساهمةموضوع: ياسر عرفات .. تاريخ وقضية ...   الجمعة سبتمبر 18, 2009 12:54 am

**بــــسم الله الرحــــمن الرحــــيم**

رغم الغموض الذي امتاز به في حياته، والغموض الذي اكتنف ملابسات وفاته؛ إلا أنّ كثيراً من صفحات حياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الغامضة، ستبقى مادة للكثير من المقالات والدراسات .

والتخمينات والخلافات بشأن سيرة حياته الشخصية والسياسية والاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة لمكان ولادته الذي ما زال محل خلاف، فالمصادر الرسمية الفلسطينية تقول إنه من مواليد القدس في آب (أغسطس) 1929، لكنّ كثيراً من تتبعوا سيرة حياته؛ فيعتقدون أنه من مواليد مدينة القاهرة يوم 24 آب (أغسطس) 1929.

وياسر عرفات، وكنيته "أبو عمار"، ليس الاسم الحقيقي للرجل الأول في منظمة التحرير والذي تربع على قيادتها على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد، فالأمر يتعلق بالاسم الحركي الذي اتخذه أثناء دراسته في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، إحياءً لذكرى مناضل فلسطيني قتل وهو يكافح الانتداب البريطاني، حسب ما تقول الرواية.

بدأ عرفات حياته السياسية في مطلع حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، عندما شارك في عام 1952 في تأسيس اتحاد طلبة فلسطين في مصر، بينما كان طالباً في كلية الهندسة بجامعة القاهرة. وقد تولى عرفات رئاسة رابطة الخريجين الفلسطينيين بعد نجاح ثورة تموز (يوليو) بقيادة جمال عبد الناصر في الاستيلاء على السلطة.

ظهرت مواهبه منذ سنوات شبابه المبكر كناشط وزعيم سياسي. وقد كانت نشأته السياسية مرتبطة في البداية بجماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي نشأ في كنفها معظم قادة حركة فتح. ومع الصدام بين الإخوان وعبد الناصر ابتداء من سنة 1954 أخذت المجموعة التي كوّنت فتح تتمايز تدريجياً عن الإخوان.

لقد شهدت تلك الفترة أيضاً تبلور خيار الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في أعقاب صدمة الشعب الفلسطيني عقب "نكبة" سنة 1948، التي جعلت المنظمات الصهيونية تبتلع ثلاثة أرباع فلسطين التي كانت خاضعة للاحتلال البريطاني، وذلك وسط عجز عربي مذهل.

وبعد انتصار ثورة الضباط الأحرار في مصر في 23 تموز (يوليو) 1952؛ بعث عرفات، عام 1953، خطاباً إلى اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر، حمل ثلاث كلمات فقط هي: "لا تنس فلسطين". وقيل إنّ عرفات سطر الكلمات الثلاث بدمائه.



تأسيس "فتح"

التحق عرفات بالخدمة العسكرية في الجيش المصري واستجاب للتعبئة العامة في التصدي لـ"العدوان الثلاثي" الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر في حرب السويس سنة 1956، وهو العام الذي مُنح فيه عرفات رتبة ملازم في الجيش المصري.


وفي 1958 شكل عرفات الذي كان وقتها يعمل مهندساً في الكويت، مع مجموعة صغيرة من الفلسطينيين؛ الخلية الأولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، التي تبنت الكفاح المسلح وسيلة لتحرير فلسطين. ومن أبرز الذين شاركوه تأسيس فتح هما صلاح خلف "أبو إياد" وخليل الوزير "أبو جهاد".

وقد أشار عرفات في ما بعد إلى قيامه في ذلك الوقت بجمع بنادق من مخلفات الحرب العالمية الثانية من الصحارى المصرية لتسليح حركته.

وفي 31 كانون الأول (ديسمبر) 1964 نفذت حركة فتح أول عملية مسلحة في فلسطين المحتلة سنة 1948، عبر محاولة نسف محطة مائية شيدتها سلطات الاحتلال، وقام عرفات شخصياً بتسليم بيان تبني العملية إلى صحيفة "النهار" اللبنانية.

وفي 28 أيار (مايو) 1964 تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية مصر، وترأسها أحمد الشقيري. واعتمدت المنظمة ميثاقاً وطنياً يطالب بحق تقرير المصير للفلسطينيين ويرفض قيام الدولة العبرية.

وفي حزيران (يونيو) 1967؛ انتقل عرفات إلى العمل السري، تحت اسمه الحركي "أبو عمار". وفي تموز (يوليو) توجه سراً إلى الضفة الغربية المحتلة حيث أمضى أربعة أشهر قام خلالها بتنظيم خلايا حركة فتح.

وفي 4 شباط (فبراير) 1969 انتُخب عرفات رئيساً للمنظمة التي أصبحت ممثلاً للشعب الفلسطيني.



معركة الكرامة ورئاسة منظمة التحرير


وفي تلك المرحلة؛ بدأ نجم عرفات في البزوغ كزعيم سياسي فلسطيني ثائر، غير أنّ نجمه لمع أكثر في الأردن، حيث كانت توجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين الذين هُجِّروا سنتي 1948 و1967، فتوفر المناخ لعرفات كي يقوم بتدريب أفراد من قوات فتح التي عرفت باسم "العاصفة"، وهو ما شجعه في الأمد القريب على تنفيذ عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية من خلال التسلل عبر الحدود الأردنية إلى الأراضي المحتلة، أو من خلال استهداف دوريات قوات الاحتلال العاملة على الشريط الحدودي.

وقامت عناصر "العاصفة" بشن هجمات على أهداف إسرائيلية انطلاقاً من الأردن ولبنان وقطاع غزة الذي كان يخضع للإدارة المصرية.

وبعد حرب سنة 1967 التي ألحقت فيها الدولة العبرية هزيمة مدوية بالجيوش العربية، واستولت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان دفعة واحدة؛ قامت جماعات المقاومة الفلسطينية بتكثيف أنشطتها ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولم يبق في ساحة القتال ضد إسرائيل عملياً سوى حركة فتح ومجموعات صغيرة إلى جانبها.

وقد اكتسب عرفات المزيد من الشهرة كقائد عسكري ميداني في عام 1968، عندما قاد قواته في القتال دفاعاً عن بلدة "الكرامة" الأردنية أمام قوات إسرائيلية أكثر عدداً وأقوى تسليحاً. وقد زرعت معركة الكرامة الإحساس بالتفاؤل بين الفلسطينيين، كما أدت لارتفاع راية قوى التحرر الوطني الفلسطينية بعد فشل الأنظمة العربية في التصدي لإسرائيل. وبعد مضي عام على معركة الكرامة؛ اختير عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسستها جامعة الدول العربية عام 1964.



"أيلول الأسود" والانتقال إلى لبنان

لكنّ الأمر لم يكن ليسير بعد ذلك على وتيرته المأمولة، فقد بدأت الصراعات الجانبية تندلع بين الثورة الفلسطينية والحكومات العربية، والتي كان أولها وأكثرها دموية في سنة 1970، عندما هاجم الجيش الأردني القوات الفلسطينية في الأردن بعد أن خطف رجال المقاومة أربع طائرات ركاب إلى مطار في صحراء المملكة، ووقعت اشتباكات بين الطرفين أسفرت عن سقوط ضحايا من كلا الجانبين، وهي الأحداث التي عُرفت بـ "أيلول الأسود". وبعد وساطات عربية قررت المقاومة الفلسطينية في العام التالي الخروج من الأردن والانتقال إلى لبنان، بعد أن نجحت مصر في إنقاذ عرفات من الموت المحقق في عمان وتهريبه سراً إلى القاهرة، حيث حضر القمة العربية في أيلول (سبتمبر) 1970، فكانت أول قمة عربية تُسلّط فيها بقوة الأضواء عليه.

ومع انتقال المنظمة إلى لبنان، واصل "الثائر" أبو عمار رحلة الكفاح المسلح، فشرع في ترتيب صفوف المقاومة معتمداً على مخيمات اللاجئين. وفي السنوات التي أعقبت انتقال عرفات إلى بيروت؛ نفّذ مسلحون فلسطينيون ينتمون إلى فصائل مختلفة عمليات تفجير وخطف طائرات واغتيالات، من أشهرها عملية خطف أحد عشر رياضياً إسرائيلياً أثناء دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في ميونخ سنة 1972، والتي أسفرت عن قتلهم خلال محاولة ألمانية فاشلة لتحريرهم.

وفي 13 نيسان (إبريل) 1973 حاولت الدولة العبرية اغتيال ياسر عرفات، في بيروت، حيث قامت مجموعة إسرائيلية ضمت بين أفرادها من أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء وهو إيهود باراك. وقد تمكنت المجموعة من اغتيال ثلاثة من مساعدي عرفات، ولكنها لم تعثر عليه. وأكد مقربون منه أنّ "معجزة سمحت له بالبقاء بعيداً"، على حد تعبيره. وفي الواقع؛ لم يكن عرفات يمضي أكثر من بضع ساعات تحت سقف واحد، وقد لفّ تحركاته بتكتم مطلق مستشعراً جدية التهديدات.


غصن زيتون وبندقية ثائر

وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1974 أعلنت القمة العربية في الرباط منظمة التحرير "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني، وبعد أسبوعين من ذلك فقط طرأ أحد التحوّلات الهامة على مسيرة عرفات، والتي تعني مسيرة فتح والمنظمة أيضاً.

ففي 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974، تحدث عرفات للمرة الأولى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قائلا "أتيت إلى هنا حاملا غصن الزيتون بيد وبندقية المقاتل من أجل الحرية في الأخرى. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". ومُنحت منظمة التحرير الفلسطينية منذ ذلك الحين صفة مراقب في المنظمة الدولية.

وفي نيسان (إبريل) 1975، مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وقف عرفات في صف ما كان يسمى آنذاك "القوى التقدمية اللبنانية"، ليكون عاملاً فاعلاً في ترجيح التوازنات الداخلية في الساحة اللبنانية الملتهبة.

وفي حزيران (يونيو) 1980؛ أصدرت السوق الأوروبية المشتركة "إعلان البندقية"، الذي يطالب بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في أي مفاوضات لإحلال السلام.

وفي ظلال ذلك؛ كانت المقاومة الفلسطينية تخوض عملياتها انطلاقاً من لبنان ضد أهداف إسرائيلية، ونتيجة لنجاح المقاومة الفلسطينية في حقبة السبعينيات في تسديد ضربات موجعة للاحتلال؛ قررت الحكومة الإسرائيلية شن هجوم شامل على قواعد المقاومة على أمل القضاء عليها، وهو ما تم تتويجه بغزو بيروت سنة 1982.


من لبنان إلى تونس

بعد اجتياح بيروت وفرض قوات الغزو الإسرائيلية حصاراً لمدة عشرة أسابيع على المقاومة الفلسطينية، مثّلت ذروة تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان والفصل الأخير منها؛ وافق عرفات في 30 آب (أغسطس) 1982على الخروج من لبنان تحت الحماية الدولية، ومن ثم الانتقال إلى تونس التي شكلت المعقل الأخير لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى سنة 1994. وبالخروج من بيروت، أخذت تتوارى أدبيات الثورة المسلحة التي طبعت تجربة عرفات وحركة فتح ومنظمة التحرير، بينما برز التبشير بخيارات التسوية السياسية، وضرورة استثمار ما أنجزته البندقية.

ولكنّ الدولة العبرية حاولت تجسيد مبدأ الذراع الطولى بتسديدها ضربات موجعة لمنظمة التحرير في تونس. فقد شنت طائرات حربية إسرائيلية غارة على مقر منظمة التحرير في حمام الشط بتونس، في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 1985، فدمرته بشكل شبه كامل، واستشهد 17 شخصاً. وكان عرفات في طريقه إلى مكتبه ولكنه عاد أدراجه مع بداية الغارة.

كما تعرض عرفات طوال مسيرة قيادته لحركة فتح والمنظمة للكثير من حركات التمرد ضده، وكان أبرزها خلال فترة تواجد المنظمة في لبنان، عندما انشق عنه عدد من قادة الحركة ومن أبرزهم أبو موسى وأبو نضال، إلا أنّ دهاءه السياسي مكنه من تجاوز كل هذه الانشقاقات فظل متماسكاً ومسيطراً على المنظمة وعلى فتح.

أما في تونس؛ فقد واصل ياسر عرفات بلورة شخصيته كزعيم سياسي يتبنى الحل السلمي. وكانت إرهاصات هذا التوجه قد تجلت، عملياً؛ في الخطاب الذي ألقاه عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974، الذي أشار إليه إلى حمل البندقية بيد وغصن الزيتون بيد أخرى.



الانتفاضة الشعبية وإعلان الدولة


وكان لاندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية عام 1987 ضد الاحتلال الإسرائيلي، أثره السريع في حصول القضية الفلسطينية على تعاطف دولي، استثمره عرفات بحنكته السياسية لتحريك عملية التسوية السياسية، حيث دفع المجلس الوطني الفلسطيني بدورته المنعقدة في الجزائر في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 إلى تبني قرار مجلس الأمن الدولي 242، معترفاً بذلك ضمناً بإسرائيل وفي الوقت ذاته؛ أعلن المجلس قرار إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي الضفة وغزة. وتلا عرفات إعلان استقلال الدولة الفلسطينية.

وفي نيسان (إبريل) 1989؛ كلّف المجلس المركزي الفلسطيني عرفات برئاسة الدولة الفلسطينية. وفي 2 أيار (مايو) 1989، خلال زيارة رسمية إلى باريس كانت أول تكريس لعلاقات دبلوماسية مع دولة غربية؛ أعلن عرفات أنّ الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح "كادوك"، وهي كلمة فرنسية تحمل دلالة الإلغاء وتعني "عفا عليه الزمن".

في عام 1990، وبعد اجتياح القوات العراقية للكويت؛ اتخذ عرفات موقفاً فُسِّر بأنه مؤيد لخطوة الرئيس العراقي، آنذاك، صدام حسين، ما انعكس سلبياً على مسيرة عرفات السياسية التي عانت من العزلة، خاصة عن دول الخليج، كما أدى إلى الإضرار بالموارد المالية للمنظمة.

وفي 1991 في أوج أزمة الخليج؛ انقلبت سيارة عرفات عدة مرات على الطريق بين عمان وبغداد. وبعدها، في كانون الثاني (يناير) 1992، تزوج عرفات من مساعدته سهى الطويل (28 عاماً). وبعد شهرين، في نيسان 1992؛ تحطمت طائرته في صحراء السارة الليبية، وقد انقطعت أخباره على مدى يوم كامل.


تدشين حقبة أوسلو

وبعد انتهاء حرب الخليج كان هناك إجماع دولي على ضرورة العمل من أجل تسوية القضية الفلسطينية "دعماً للاستقرار في الشرق الأوسط".

ولدفع عملية التسوية؛ أعلن عرفات أوائل عام 1990 أنه يجري اتصالات سرية مع القادة الإسرائيليين بهذا الخصوص. وفي عام 1991عقد مؤتمر السلام في مدريد تحت رعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، والذي أطلق "عملية سلام الشرق الأوسط".

وفي 13 أيلول (سبتمبر) 1993، وبعد ستة أشهر من المفاوضات السرية في أوسلو؛ صافح عرفات في البيت الأبيض بواشنطن؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، ووزير خارجيته شمعون بيريز. لقد كانت تلك المصافحة التاريخية موعد ولادة اتفاق أوسلو المتعثر، الذي جعل أضواء الإعلام الغربي تسلّط عليه بكثافة، كما كان نقطة تحول بارزة في القضية الفلسطينية. وقد وقّع الطرفان على "إعلان مبادئ"، هو عبارة عن اتفاق سمح للفلسطينيين بممارسة الحكم الذاتي في قطاع غزة ومدينة أريحا بالضفة الغربية مقابل اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بالدولة العبرية، وتقديم ضمانات أمنية فلسطينية للجانب الإسرائيلي.

وقد ربط المراقبون بين تسارع خيارات التسوية السياسية في تلك المرحلة؛ والحراك السريع الذي كانت الساحة الداخلية الفلسطينية تشهده. فقد برزت قوى صاعدة في المشهد الفلسطيني، بدت في مواقع منافسة لحركة فتح، وهو ما يتعلق أساساً بحركة حماس التي فازت في تلك المرحلة بمعظم الانتخابات النقابية والقطاعية في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما أسفرت الانتفاضة الشعبية عن صعود خيارات المقاومة المسلحة، وهو ما كان يمثِّل تهديداً لاستراتيجية "هجوم السلام" التي بلورها عرفات والمقربون منه.

وهنا جاءت اتفاقات أوسلو، لتمثل منعطفاً حاداً في المسيرة السياسية لعرفات والمنظمة والقضية الفلسطينية بشكل عام. وإذا كانت الاتفاقات قد انطلقت من محطتها الأولى؛ فإنّ أحد جوانب القصور الجوهري فيها كان تعليق المفاصل الأساسية للقضية الفلسطينية حتى إشعار آخر، فكانت حقبة أوسلو أشبه بنفق ممتد دون بصيص نور في نهايته. بهذا؛ لم تُحسم عدة قضايا شائكة، وأبرزها مستقبل المستعمرات المقامة على أراضي الضفة والقطاع، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، والوضع النهائي لمدينة القدس، وقضية الحدود والمعابر، ومدى سيادة الدولة الفلسطينية المرتقبة.
وفي الأول من تموز (يوليو) 1994 دخل ياسر عرفات إلى غزة، وهي المدينة التي اتخذها عرفات مقراً لقيادته.
وقد بدأ عرفات فور عودته إلى غزة، مسيرة مفاوضات ماراثونية مرت بصعوبات بالغة. وفي السنة نفسها فاز بجائزة نوبل للسلام، بالمشاركة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز.

وفي سنة 1995 وقع عرفات ورابين بواشنطن على اتفاقية الوضع المؤقت التي مهدت الطريق لـ"إعادة انتشار" قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. وقد اغتيل رابين إثر ذلك، في تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة ذاتها، بأيدي الشاب الإسرائيلي ييغال عمير، وهو ما شكّل انتكاسة لعملية التسوية.

وفي ظلال التسوية؛ حدث تطور سريع هام ترك أثره على تجربة ياسر عرفات وأداء المؤسسات التي قادها. فقد شرع عرفات لدى وصوله إلى غزة، في تأسيس السلطة الفلسطينية، والتي شكلت الكثير من الأجهزة الأمنية عمادها الفعلي، بينما جرى تدريب تلك الأجهزة برعاية أمريكية وعربية، بغرض مكافحة المقاومة الفلسطينية.



انتخاب عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية

وفي 20 كانون الثاني (يناير) 1996 انتُخب عرفات رئيساً للسلطة الفلسطينية، وفي العام التالي وقّع الفلسطينيون برئاسة عرفات اتفاقية تقسيم الخليل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي عام 1998 وقع عرفات ونتانياهو على اتفاقية واي ريفر التي تقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي من الضفة الغربية، والتي جمدها نتنياهو بعد شهرين زاعماً أنّ عرفات لم ينفذ شروطاً أمنية، وهو ما يعني شن حملات قمعية ضد حماس والجهاد الإسلامي.

أما في 5 أيلول (سبتمبر) 1999؛ فقد وقّع عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في شرم الشيخ في مصر اتفاقاً كان يُفترض أن يفتح الطريق أمام مفاوضات بشأن تسوية نهائية بين الدولة العبرية والجانب الفلسطيني. وقد حدّد الاتفاق شهر أيلول (سبتمبر) 2000 موعداً لتوقيع معاهدة سلام دائمة.


انهيار خيارات التسوية

وما إن حانت ساعة الحقيقة بالنسبة لعملية التسوية؛ حتى كان انهيارها الشامل. فقد شهد منتجع كامب ديفيد الأمريكي في 25 تموز (يوليو) 2000 قمة ثلاثية جمعت عرفات مع باراك والرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

إذ لم يكن بوسع عرفات الموافقة على المعروض عليه إسرائيلياً برعاية أمريكية، خاصة وأنّ المطروح في القمة المعنية بالحل النهائي؛ كان لا ينطوي على تحقيق أي من الأهداف الجوهرية الفلسطينية من التسوية، ولو بحدها الأدنى، وهو ما جعل عملية التسوية تصل إلى طريقها المسدود.

وكان ذلك قد جاء بعد ضغوط داخلية فلسطينية تشدِّد على عدم التفريط بـ"الثوابت" وترفض المساومة عليها. كما جرى ذلك بعد انحسار كبير في التقدير الشعبي للسلطة الفلسطينية وقيادتها، خاصة بعد سنوات من ملاحقة قادة المقاومة الفلسطينية استجابة لاستحقاقات اتفاقات أوسلو. وما فاقم الموقف؛ الاستياء العام من الأداء الإداري للسلطة، وتعاظم نفوذ الأجهزة الأمنية في الحياة العامة الفلسطينية، علاوة على الشكاوى المتزايدة من الفساد الإداري وضرورة "الإصلاح".

وقد جاء رفض عرفات الاستجابة للإملاءات الإسرائيلية والأمريكية المطروحة عليه في قمة كامب ديفيد إلى تخفيف ذلك الاحتقان الداخلي، في حين اتجهت الأنظار الفلسطينية إلى الحالة الاحتلالية المزمنة والمتفاقمة وضرورة مواجهتها.

وبعد أن توقفت التسوية تماماً، اشتعلت انتفاضة الأقصى في 29 أيلول (سبتمبر) 2000، بعد الزيارة الاستفزازية التي قام بها زعيم المعارضة الإسرائيلية في ذلك الحين آرائيل شارون إلى المسجد الأقصى.

اثر ذلك استقالت حكومة باراك الإسرائيلية، خاصة بعد عجزها عن تطويق الانتفاضة وإنهائها، ليتولى السلطة آرائيل شارون، التي واصل الحملات الضارية ضد الفلسطينيين التي أطلقها باراك، وعمل سريعاً على تحويلها إلى حرب يومية غير معلنة ضدهم.



فرض الحصار على عرفات في المقاطعة

لقد كانت انتفاضة الأقصى تعني بالنسبة لعرفات مرحلة الانتقام الإسرائيلية التدريجية منه. ففي الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 2001؛ قامت حكومة شارون، خصم عرفات القديم واللدود، بفرض حصار عسكري عليه داخل مقره بمدينة رام الله بالضفة الغربية. وقد استفاد شارون في ذلك من الموقف الأمريكي المتحفظ بشدة على عرفات في عهد إدارة جورج بوش، علاوة على تراخي المواقف الأوروبية، وحالة الصمت في النظام الرسمي العربي.

وفي 29 آذار (مارس) 2002، غداة عملية استشهادية نفذتها المقاومة الفلسطينية، وبمجرد اختتام القمة العربية في بيروت التي حُرم عرفات من حضورها؛ شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي أوسع هجوم له في الضفة الغربية منذ حزيران (يونيو) 1967، ودمر الجزء الأكبر من مقر عرفات "المقاطعة" الذي بقي في المبنى الذي يضم مكاتبه تطوقه دبابات الاحتلال.

وقد بقي عرفات على هذا الحال حتى ليلة الثاني من أيار (مايو) 2002، حين رفع جيش الاحتلال الإسرائيلي الحصار عنه.


عرفات .. الفصل الأخير



وخلال فترة الحصار تلك؛ أعاد جيش الاحتلال احتلال أغلب مدن الضفة الغربية وقراها، وبعد ضغوط دولية، تعهد شارون بعدم استهداف عرفات أثناء تنفيذ عدوانه في الضفة والقطاع.

لكنّ ذلك لم يكن ليوقف سيل التهديدات من قبل بعض المسؤولين الإسرائيليين، بإبعاده أو حتى بقتله. ففي 11 أيلول (سبتمبر) 2003 اتخذت حكومة شارون قراراً أطلقت عليه صفة "مبدئي"، يقضي بإبعاد الرئيس ياسر عرفات عن الأراضي الفلسطينية. ولم تنفذ إسرائيل هذا القرار فعلياً، إلا أنها كانت تلوِّح به بعد كل عملية استشهادية.

وخلال هذه الفترة العصيبة على عرفات ومن حوله؛ اتفقت الحكومتان الإسرائيلية والأمريكية على عزل الرئيس عرفات واعتباره "غير ذي صلة"، وسعت واشنطن إلى فرض تعيين رئيس وزراء فلسطيني "معتدل"، على أمل أن تتعامل معه في القضايا الفلسطينية على طريقتها الخاصة، ومع تجاوز عرفات الممسك بكل الخيوط في السلطة.

وعلى ضوء هذه الضغوط؛ عيّن عرفات، في عام 2003، الرجل الثاني في حركة فتح محمود عباس رئيساً للوزراء، تحت ضغوط دولية، للتنازل عن بعض سلطاته، لكنه رفض التخلي عن سيطرته على القوات الأمنية، فاستقال عباس وتم تعيين أحمد قريع، خلفاً له.

وفي عام 2003، أيضاً، صادقت السلطة الفلسطينية على الخطة المسماة "خارطة الطريق" المدعومة من الولايات المتحدة. إلا أنّ الجانب الإسرائيلي رفض تطبيق الخارطة، رغم زعم تبنيه لها. ورفضت الدولة العبرية إجراء أي مفاوضات مع عرفات أو مواصلة الاتصالات مع قيادته، بل سعت إلى فرض المقاطعة الدولية عليه، إلى درجة أنها أعلنت عن رفضها استقبال أي مسؤول دولي يقوم بجولة في المنطقة، ويزور عرفات.

ومع اشتداد وطأة الضغوط السياسية الإسرائيلية والأمريكية، وحالة الحصار المفروضة على عرفات، التي تمثل فعلياً "إقامة جبرية"، تدهورت صحة الرئيس الفلسطيني عرفات سريعاً في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2004، في ملابسات غامضة، وتم نقله إلى باريس، حيث حاولت طواقم طبية فرنسية إنقاذ حياته في مشفى بيرسي العسكري.
في الساعة الرابعة والنصف من فجر الخميس، الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004؛ أعلن المشفى الفرنسي وفاة عرفات، عن عمر يناهز 75 عاماً.

وقد أقيمت جنازة رسمية لعرفات في القاهرة، حضرها قادة عرب ومبعوثوهم، علاوة على ممثلين عن كثير من دول العالم، قبل أن ينقل نعش الرئيس الفلسطيني إلى أرض مقرّ المقاطعة في رام الله، حيث دفن هناك في جنازة حاشدة.

ومع رحيل عرفات، تختتم مسيرة سياسية حافلة، موزعة على محاور الثورة والتفاوض، ومشبعة بدرجة عالية من الرمزية، التي ستبقى على الأرجح حتى بعد رحيله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khaled-nasser.ahlamontada.com
احمد ابن فتح



عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 21/01/2010

مُساهمةموضوع: رد: ياسر عرفات .. تاريخ وقضية ...   السبت يناير 23, 2010 5:18 am

ميرسي يا ابو النور على الموضوع الجميل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ياسر عرفات .. تاريخ وقضية ...
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شـبـكـة الحرية :: شبكة زكريات خالد :: ملتقى الشخصيات الفلسطينيه-
انتقل الى: